السيد جعفر مرتضى العاملي

302

خلفيات كتاب مأساة الزهراء ( ع )

الثواب على الطاعة إنما هو بالتفضل لا بالاستحقاق ، وقد رد العلماء مقولة البلخي هذه بأن : الطاعة مشقة ألزم الله العبد بها ؛ فإن لم يكن لغرض كان ظلماً وعبثاً ، وهو قبيح لا يصدر من الحكيم ، وإن كان لغرض ، فإن كان عائداً إليه تعالى فهو باطل لغناه ، وإن كان عائداً إلى المكلف ، فإن كان هذا الغرض هو الإضرار به كان ظلماً قبيحاُ ، وإن كان هو النفع له ، فإن كان يصح أن يبتدئ الله به العبد ، فيكون التكليف حينئذ عبثاً ، وإن كان لا يصح الابتداء به بل يحتاج إلى تكليف ليستحق أن يحصل على ذلك النفع فهو المطلوب . فالنتيجة إذن هي : أن الثواب بالاستحقاق لا بالتفضل . وأما قول البلخي فهو باطل من الأساس ، لأنه يستند فيما ذهب إليه إلى أن التكاليف إنما وجبت شكراً للنعمة ، فلا يستحق بسببها مثوبةً ، فالثواب تفضل منه تعالى . ولا شك في عدم صحة هذا القول ، إذ إن الكلام إنما هو في مرحلة الحسن والقبح ، ويقبح عند العقلاء أن ينعم شخص على غيره ، ثم يكلفه ويوجب عليه شكره من دون إيصال ثواب على هذا التكليف فإنهم يعدون ذلك نقصاً ، وينسبونه إلى حب الجاه والرياسة ، ونحو ذلك من المعاني القبيحة التي لا تصدر من الحكيم ؛ فوجب القول باستحقاق الثواب . غاية ما هناك أنه يمكن أن يقال ، وإن كان ذلك لا يلائم كلام البلخي أيضاً بل هو أيضاً ينقضه ويدفعه : إنه وإن كانت مالكية الله سبحانه لكل شيء تجعله ، متفضلاً في تقرير أصل المثوبة لمملوكيه على أفعالهم ، ولكنه بعد أن قرر لهم ذلك بعنوان الجزاء ، وتفضل عليهم في زيادة مقاديره ، حتى لقد جعل الحسنة بعشرة أمثالها ، أو بسبع مائة ضعف ، والله يضاعف لمن يشاء وبعد أن دخل ذلك في دائرة القرار ، وأصبح قانوناً إلهياً مجعولاً ، فقد دخل في دائرة الاستحقاق بعد أن لم يكن ولأجل ذلك لم يجز في حكم العقل أن يعطي الله للعاصي ، ويمنع المطيع ، ولو كانت المثوبة من باب التفضل لجاز ذلك . وهذا نظير ما لو قرر رجل أن يجعل لولده جائزة على نجاحه في الامتحان في مدرسته ، فإذا نجح الولد فسيطالب أباه بالجائزة ويرى أنه مظلوم ومهان لو لم يعطه إياها ، فضلاً عن أن يعطيها لأخيه الراسب ( 1 ) .

--> ( 1 ) راجع مأساة الزهراء ج 1 ص 63 - 64 .